تتعلّق مبادئ التنوع والمساواة والشمولية بمَن يشعر بالترحيب، ومَن يستطيع المشاركة، ومَن يُصْغَى إلى صوته، ومَن تتاح له فرص القيادة، وما إذا كان الأفراد يشعرون حقًا بالانتماء.
وبالنسبة إلى حركة عالمية تمتد عبر أكثر من 150 دولة وكيانًا، فإن خلق شعور بالانتماء يمثل فرصة وتحديًا في آنٍ واحد. فالفتيات والشابات يأتين من خلفيات ثقافية واجتماعية واقتصادية وجغرافية متنوعة، وقد تختلف تجاربهن المتعلقة بالهوية والفرص والقيادة اختلافًا كبيرًا.
ولا تقع مسؤولية بناء حركة تتسم بالشمولية على عاتق فريق واحد أو برنامج بعينه أو مجموعة محددة من الأشخاص. كما أن الشمولية لا تتخذ بالضرورة الشكل نفسه في كل مكان. فالهدف ليس تحقيق التماثل، بل ترسيخ التزام مشترك بضمان إتاحة فرص هادفة للفتيات والشابات للمشاركة والتواصل والقيادة.
في هذا العدد من سلسلة القيادة في موضع التنفيذ، نستكشف كيف تتجلى مبادئ التنوع والمساواة والشمولية في الممارسة العملية، وكيف يمكن أن يسهم إنشاء مساحات تتسم بالشمولية في إثراء تجارب الأعضاء وتعزيز الشعور بالانتماء والتواصل والصداقة الدولية والتضامن بين الثقافات.
قيادة مُتجذِّرة في السياق
لا يُعرِّف النموذج القيادي للمرشدات وفتيات الكشافة القيادة باعتبارها مجموعة مُحدَّدة من المهارات أو أنها تقتصر على فئة معينة من الأشخاص، بل ينظر إلى القائدة باعتبارها متعلّمة مدى الحياة، تسعى بوعي إلى تعميق فهمها للسياقات المختلفة، وتستفيد من المعارف والحِكم المتنوعة، وتوظف ما تتعلمه للتعاون مع الآخرين وإحداث فرق.
»التعلّم من تجاربي ومشاعري الشخصية، وتحدّي ذاتي لفهم وجهات النظر المختلفة وأخذها بعين الاعتبار، والتعاون، والقيادة من أجل التأثير، والقيادة من أجل الابتكار. «
يتمحور هذا النوع من القيادة حول كيفية نمو الأفراد ، وكيفية تمكينهم للآخرين من تولّي أدوار قيادية. كما يتعلق بكيفية إنشائنا منظمات ومساحات يستطيع فيها الآخرون الإسهام والتأثير في القرارات والازدهار.
إنشاء مساحات تتيح للجميع المشاركة الكاملة
تسعى حركة المرشدات وفتيات الكشافة بوعي إلى توفير مساحة شجاعة للجميع، تتسم بالأمان والشمولية والتمكين. ويعني ذلك إزالة العوائق المحتملة أمام المشارَكة، والتعاون مع المشاركين في تشكيل هذه المساحة. ويتجلى هذا الالتزام في الجمعية العالمية للمرشدات وفتيات الكشافة من خلال قرارات عملية تساعد على الحد من العوائق وجعل المشاركة أكثر جدوى، ومنها:
- تنفيذ الأنشطة بلغات متعددة، مع الحرص على ترجمة الأفكار في سياقها الثقافي، وليس مجرد ترجمة الكلمات. فعلى سبيل المثال، تضمنت خطط برنامج "الفتيات من أجل الطاقة الخضراء" وميزانيته ترجمة المحتوى إلى اللغات المحلية للمنظمات الأعضاء المشاركة.
- تقديم الدعم المالي لتيسير الوصول إلى الفرص. فعلى سبيل المثال، تلقت أليزا، إحدى المشاركات في ندوة جولييت لو لعام 2024، دعمًا ماليًا من منظمتها العضو (فتيات كشافة الفلبين) أتاح لها المشاركة. وقالت: «كانوا يقولون لي إنني أستحق الاستثمار في قدراتي، وإن صوتي له قيمة، وهكذا انفتح أمامي باب كنت أظن أنه على وشك الإغلاق، بل اتسع أكثر مما توقعت!»
- ضمان أن ترى المشاركات أنفسهن ممثَّلات في الفريق المسؤول عن تقديم الأنشطة. ففي الندوات العالمية للقيادة الشبابية، يضم فريق المتطوعين ممثلين عن الأقاليم الخمسة للجمعية العالمية للمرشدات وفتيات الكشافة، مع تخصيص ما لا يقل عن 50% من الفريق لأشخاص تتراوح أعمارهم بين 18 و30 عاماً.
- تنظيم المناسبات والاجتماعات في أوقات مختلفة. إذ تقوم شبكة القيادة بالجمعية العالمية للمرشدات وفتيات الكشافة، وهي مجتمع ممارسة افتراضي معني بتنمية القيادة، بتغيير توقيت اجتماعاتها الدورية بحسب المناطق الزمنية في كل مرة، بهدف الوصول إلى عدد أكبر من الأشخاص من خلفيات متنوعة.
- إدراج التدريب على التنوع والمساواة والشمولية ضمن أدوار الموظفين والمتطوعين. فعلى سبيل المثال، يتضمن تدريب المتطوعين في المراكز العالمية جلسات حول التحيز اللاواعي، وكيفية العمل مع أشخاص من خلفيات متنوعة.
- الاستماع إلى الفئات التي يتم تمثيلها. فعندما كان يُعدّ فريق الاتصالات رسمًا توضيحيًا لمرشدة أو فتاة كشافة من ذوات الإعاقة الجسدية، تواصل مع مؤسسة خيرية تعمل مع صغار السن من ذوي هذه الإعاقة، لضمان تمثيلهم بصورة صادقة وواقعية.
تسهم هذه الممارسات العملية مجتمعةً، رغم أن بعضها قد يبدو بسيطًا، في تعزيز الشعور بالانتماء. فهي تساعد على إنشاء مساحات يشعر فيها المشاركون بالقدرة على التعبير عن احتياجاتهم، ومشاركة تجاربهم حول ما ينجح وما لا ينجح، مما يؤدي في نهاية المطاف إلى بناء مساحة أفضل للجميع.
الصداقة الدولية
من الصعب التعبير بالكلمات عن سحر تجربة الانتماء إلى حركة عالمية للمرشدات وفتيات الكشافة. فهل يمكنكم تخيل مجموعة من الأشخاص، من خلفيات متنوعة، يجتمعون في مكان واحد؟ يحمل كلٌ منهم روح التعاطف والفضول، والاستعداد للمشاركة وخوض تجارب قد تنطوي على أخطاء، والتعلّم منها.
وصفت يمينة ساي، من الكشافة التونسية، تجربتها في مناسبة قيادية عام 2024 بأنها «فرصة فريدة لتكوين صداقات عميقة مع أشخاص من مختلف أنحاء العالم، يجمعهم شغف مشترك بالقيادة والخدمة.»
وهذا الهدف المشترك هو ما يوحّد المرشدات وفتيات الكشافة في جميع أنحاء الحركة العالمية. فنحن نبني معًا عالمًا متكافئًا تستطيع فيه كل الفتيات الازدهار. وتدعم الجمعية العالمية للمرشدات وفتيات الكشافة هذا العمل من خلال الربط بين منظماتها الأعضاء، لمواصلة تمكين كل فتاة وأي فتاة من تحقيق كامل قدراتها.
ولكن ماذا يعني الانتماء إلى حركة عالمية بالنسبة إلى فتاة قد لا تغادر بلدها مطلقًا؟ يبدأ الأمر بشعورها بالترحيب داخل مجموعتها المحلية، ووجودها في مساحة تُقدّرها وتحتفي بها كما هي. فتكتسب الثقة لتجربة أشياء جديدة، وخوض المخاطر، واكتشاف ما تستطيع تحقيقه.
ومع تواصلها مع الأخريات في مجموعتها، تنمو قدرتها على فهم وجهات النظر المختلفة، وتكييف سلوكها وفقًا للسياق الذي توجد فيه. وعندما تتعرّف إلى أخواتها من المرشدات وفتيات الكشافة حول العالم، تشعر بأنها جزء من شيء أكبر من نفسها، وتتأمل العوائق المختلفة التي يواجهنها جميعًا في سبيل بناء عالم متكافئ تستطيع فيه كل الفتيات الازدهار.
ومن المستوى المحلي إلى المستوى العالمي، تتجاوز الصداقات التي تنشأ في حركة المرشدات وفتيات الكشافة الكثير من الاختلافات، سواء كانت ثقافية أو اجتماعية واقتصادية أو دينية أو اختلافات في الآراء. ولا تنشأ هذه الروابط بمجرد جمع الأشخاص في مكان واحد، بل تتطلب دعماً يراعي احتياجات كل فرد، وما يضيفه كل شخص إلى هذه المساحة المشتركة.
وكما عبّرت إحدى المشاركات في مناسبة قيادية عام 2023:
«كان لكل شخص في الغرفة هويته وعاداته الخاصة، لكننا عشنا معًا وأصبحنا أكثر ترابطًا مع نهاية المناسبة.»
إن التنوع والمساواة والشمولية هي الركائز التي تهيئ الظروف اللازمة لنشوء هذه الصداقات الدولية؛ فالمساواة تتيح للجميع الوصول إلى المكان نفسه أو الحصول على الفرصة نفسها، والتنوع يحتفي بالاختلافات بين الحاضرين، أما الشمولية فتوجِد سبلًا تتيح للجميع المشاركة بصورة هادفة.
وهكذا، عبر الحدود والثقافات والأجيال، تتحول الحركة العالمية – بهذه الطريقة – من مجرد شبكة تضم أعضاءها إلى مجتمع مترابط تجمعه الصداقة والتضامن والإيمان المشترك بإمكانات كل فتاة وشابة.